أحمد زكي صفوت
279
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
عليه وسلم ، فاختاره بعلمه ، وائتمنه على وحيه ، واختار له من الناس أعوانا ، قذف في قلوبهم تصديقه ومحبته ، فآمنوا به وعزّروه « 1 » ووقّروه ، وجاهدوا في اللّه حق جهاده ، فاستشهد « 2 » اللّه منهم من استشهد على المنهاج الواضح ، والبيع الرابح ، وبقي منهم من بقي ، لا تأخذهم في اللّه لومة لائم . أيها الناس : رحمكم اللّه إنا خرجنا للوجه الذي علمتم ، فكنّا مع وال حافظ ، حفظ وصية أمير المؤمنين ، كان يسير بنا الأبردين « 3 » ، ويخفض « 4 » بنا في الظهائر ، ويتخذ الليل جملا ، يعجّل الرحلة من المنزل الجدب ، ويطيل اللّبث في المنزل الخصب ، فلم نزل على أحسن حالة نعرفها من ربنا ، حتى انتهينا إلى إفريقية ، فنزلنا منها حيث يسمعون صهيل الخيل ، ورغاء الإبل ، وقعقعة السلاح ، فأقمنا أياما ، نجمّ كراعنا « 5 » ، ونصلح سلاحنا ، ثم دعوناهم إلى الإسلام والدخول فيه ، فأبعدوا منه ، فسألناهم الجزية عن صغار أو الصلح ، فكانت هذه أبعد ، فأقمنا عليهم ثلاث عشرة ليلة نتأنّاهم ، وتختلف رسلنا إليهم ، فلما يئس منهم قام خطيبا ، فحمد اللّه وأثنى عليه ، وذكر فضل الجهاد ، وما لصاحبه إذا صبر واحتسب ، ثم نهضنا إلى عدونا ، وقاتلناهم أشد القتال ، يومنا ذلك ، وصبر فيه الفريقان فكانت بيننا وبينهم قتلى كثيرة ، واستشهد اللّه فيهم رجالا من المسلمين ، فبتنا وباتوا ، وللمسلمين دوىّ بالقرآن كدوىّ النحل ، وبات المشركون في خمورهم وملاعبهم ، فلما أصبحنا أخذنا مصافّنا التي كنّا عليها بالأمس ، فزحف بعضنا على بعض ، فأفرغ اللّه علينا صبره ، وأنزل علينا نصره ، ففتحناها من آخر النهار ، فأصبنا غنائم كثيرة ، وفيئا واسعا ، بلغ فيه الخمس خمسمائة ألف ، فصفق « 6 » عليها مروان بن الحكم ، فتركت المسلمين قد
--> ( 1 ) التعزيز : التفخيم والتعظيم والإعانة ، وهو أيضا ضرب دون الحد أو هو أشد الضرب ضد . ( 2 ) استشهد ( مبنيا للمجهول ) قتل في سبيل اللّه . ( 3 ) الأبردان : الغداة والعشى . ( 4 ) خفض بالمكان : أقام ، والظهائر : جمع ظهيرة . ( 5 ) الكراع : جماعة الخيل ، وأجم الفرس : ترك ركوبه . ( 6 ) صفق الباب يصفقه وأصفقه أغلقه : أي أغلق عليها باب الخزائن .